الجصاص

311

الفصول في الأصول

فصل وإذا اختلفت الأمة في مسألة على قولين ، فقال بأحد القولين طائفة ، وبالقول الآخر طائفة أخرى مثلها ، وكل واحد من الطائفتين ممن يجوز الاعتراض بخلافها ، ولا يصح الإجماع مع وجود الخلاف منها ، ثم انقرضت إحدى الطائفتين وبقيت الأخرى - فإن بعض أهل العلم ذكر : أنه إن كان الاختلاف ( 1 ) في شئ جروا فيه إلى تأثيم بعضهم بعضا ، ولم يسوغوا اجتهاد الرأي فيه ، فإن الطائفة الباقية يكون إجماعها حجة ، لأنا قد علمنا : أن الطائفة المتمسكة بالحق لا يخلو منها زمان ، وهي قد شهدت ببطلان قول الطائفة التي انقرضت ، فوجب أن يكون قولها حقا وصوابا ، ووجب الحكم بفساد قول الطائفة التي انقرضت . وإن كان ذلك شيئا سوغوا ( 2 ) فيه الاختلاف ، وأباحوا فيه اجتهاد الرأي ، فإنه لا يثبت الإجماع ببقاء هذه الطائفة ، قال : لأن الطائفتين جميعا قد أجمعوا بديا على تسويغ الاختلاف ، ووسعوا فيه اجتهاد الرأي وهذا الإجماع حجة لا يسع خلافه . قال أبو بكر : وإنما بني هذا القول على أصله : في أن الإجماع بعد الخلاف لا يرفع الخلاف المتقدم فيما كان طريقه اجتهاد الرأي . وسنتكلم في هذه المسألة بعد هذا إن شاء تعالى .